أبي حيان التوحيدي

245

المقابسات

القصوى ، واستهان من أجله بالحياة الدنيا ، أجدر أن يفزع عن خلائقه ووتائره التي قد ارتبطته وأورطته ، وأنه أهلا لذلك وهو به أليق وعليه أقدر وفيه أعذر ، وأن الصواب موكل به وناصر له ، بقدر ما كان الخطأ مؤكلا بالأول وواضعا منه 60 مقابسة [ في النثر والنظم وأيهما أشد أثرا في النفس ] قال أبو سليمان ، وقد جرى كلام في النظم والنثر : النظم أدل على الطبيعة ، لان النظم من حيز التركيب . والنثر أدل على العقل ، لأن النثر من حيز البساطة . وإنما تقبلنا المنظوم بأكثر مما تقبلنا المنثور لأنا للطبيعة أكثر منا بالعقل ، والوزن معشوق للطبيعة والحس ؛ ولذلك يفتقر له [ عند ] ما يعرض استكراه في اللفظ . والعقل يطلب المعنى ، فلذلك لاحظ للفظ عنده وإن كان متشوقا معشوقا . والدليل على أن المعنى مطلوب النفس دون اللفظ الموشح بالوزن المحمول على الضرورة ؛ أن المعنى متى صور بالسانح والخاطر وتوفى الحكم لم يبل بما يقويه من اللفظ الذي هو كاللباس والمعرض والاناء والظرف . لكن العقل مع هذا يتخير لفظا بعد لفظ ، ويعشق صورة دون صورة ، ويأنس بوزن دون وزن ، ولهذا شقق الكلام بين ضروب النثر وأصناف النظم . وليس هذا للطبيعة ؟ بل الذي يستند إليها ما كان حلوا في السمع ، خفيفا على القلب ، بينه وبين الحق صلة ، وبين الصواب وبينه آصرة ، وحكمها مخلوط بإملاء النفس ، كما أن قبول النفس راجع إلى تصويب العقل ثم قال : ومع هذا ففي النثر ظل النظم ، ولولا ذلك ما خف ولا حلا ولا طاب ولا تحلا ، وفي النظم ظل من النثر ، ولولا ذلك ما تميزت